أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

205

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 41 إلى 43 ] وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ( 41 ) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 42 ) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ( 43 ) قوله تعالى : بِما أَنْزَلْتُ . . « ما » يجوز أن تكون بمعنى الذي ، والعائد محذوف ، أي : الذي أنزلته ، ويجوز أن تكون مصدرية ، والمصدر واقع موقع المفعول أي بالمنزّل . و « مصدقا » نصب على الحال ، وصاحبها العائد المحذوف . وقيل : صاحبها « ما » والعامل فيها « آمنوا » ، وأجاز بعضهم أن تكون « ما » مصدرية من غير جعله المصدر واقعا موقع مفعول به ، وجعل « لما معكم » من تمامه ، أي : بإنزالي لما معكم ، وجعل « مصدّقا » حالا من « ما » المجرورة باللام قدّمت عليها وإن كان صاحبها مجرورا ، لأنّ الصحيح جواز تقديم حال المجرور بحرف الجر عليه كقوله : 410 - فإن تك أذواد أصبن ونسوة * فلن يذهبوا فرغا بقتل حبال « 1 » « فرغا » حال من « بقتل » ، وأيضا فهذه اللام زائدة فهي في حكم المطّرح ، و « مصدقا » حال مؤكدة ، لأنه لا تكون إلا كذلك . والظاهر أنّ « ما » بمعنى الذي ، وأنّ « مصدقا » حال من عائد الموصول ، وأنّ اللام في « لما » مقوية لتعدية « مصدّقا » ل « ما » الموصولة بالظرف . قوله : أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ « أول » خبر « كان » قبله ، وفيه أربعة أقوال ، أحدها - وهو مذهب سيبويه - أنه أفعل ، وأنّ فاءه وعينه واو ، وتأنيثه أولى ، وأصلها : وولى ، فأبدلت الواو همزة وجوبا ، وليست مثل « ووري » في عدم قلبها لسكون الواو بعدها ، لأنّ واو « أولى » تحرّكت في الجمع في قولهم « أول » ، فحمل المفرد على الجمع في ذلك . ولم يتصرّف من « أوّل » فعل لاستثقاله . وقيل : هو من وأل إذا نجا ، ففاؤه واو وعينه همزة ، وأصله أو أل ، فخفّفت بأن قلبت الهمزة واوا ، وأدغم فيها الواو الأولى فصار : أوّل ، وهذا ليس بقياس تخفيفه ، بل قياسه أن تلقى حركة الهمزة على الواو الساكنة وتحذف الهمزة ، ولكنهم شبّهوه بخطيّة وبريّة ، وهو ضعيف ، والجمع : أوائل وأوالي أيضا على القلب . وقيل : هو من آل يؤول إذا رجع ، وأصله : أأول بهمزتين الأولى زائدة والثانية فاؤه ، ثم قلب فأخّرت الفاء بعد العين فصار : أوأل بوزن أعفل ، ثم فعل به ما فعل في الوجه الذي قبله من القلب والإدغام وهو أضعف منه . وقيل : هو ووّل بوزن فوعل ، فأبدلت الواو الأولى همزة ، وهذا القول أضعفها ؛ لأنه كان ينبغي أن ينصرف ليس إلّا . والجمع : أوائل ، والأصل : ووأول ، فقلبت الأولى همزة لما تقدّم ، والثالثة أيضا لوقوعها بعد ألف الجمع . واعلم أنّ « أوّل » أفعل تفضيل ، وأفعل التفضيل إذا أضيف إلى نكرة كان مفردا مذكرا مطلقا . ثم النكرة

--> ( 1 ) البيت لطلحة بن خويلد قاتل عكاشة بن محصن انظر المحتسب ( 2 / 148 ) ، الأشموني ( 2 / 177 ) ، العيني ( 3 / 154 ) ، البحر ( 7 / 107 ) ، والتهذيب ( 8 / 110 ) ، ( فرغ ) واللسان ( فرغ ) وابن عقيل ( 1 / 642 ) ، أزواد جمع زود وهو من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر ، حبال ابن الشاعر وقيل ابن أخيه وكان المسلمون قد قتلوه في حرب الردة .